فى مارس من كل عام كان الشاعر
محمد صابر مرسى يلقى واحدة من قصائده
التى كتبها جميعا خصيصا لأمه ؟ ! ذلك البرنامج
الإذاعى الشهير ينتظره ، فهناك
اتفاق غير مكتوب بين الشاعر والمذيعة هدى
العجيمى لإذاعة قصيدة جديدة له فى
مناسبة عيد الأم من كل عام ، ثلاثون عاما متواصلة حافظ خلالها
الشاعر والبرنامج على ذلك العهد .
والشاعر الذى كرس
موهبتة الفنية كلها
لإستدعاء رمز الأم
فى كل أعماله الشعرية استدعى معها
بالفطرة مفردات التراث الجميلة مثل
"الشالية
" ، "
المنقد
" ، "
زلعة
المش
" ، "
الشكمجية
"
و
"صندوق
العروس أبو الشخاليل
"
و
"
الشال
"
و
"البردة
"
و"
الحِِرام
"
و"البخور الجاوى"
و"
فص العين"
،
وعاد حتى بمفرداته العامية التى
اندثرت واستدعى معها كذلك أساطير الماضى
والحاضر " حابى وإيزيس " و " ناعسة وأيوب " و"ياسين وبهية " ،
ومعهم جميعا روائح الزمن الجميل
،
وملاحم أبو زيدالهلالى ،
وحكم ابن عروس
،
وتقاليد الأسرة المصرية التى
أصبحت باهتة الملامح وسط زخم الفضائيات
وايقاع الحياة المتصارعة .. والشاعر وسط كل ذلك يجعل من
الأم والوطن توليفة جميلة تشبه الصوت والصدى
فى تراسل جميل يتبادلان فيه
الحضور والغياب وإن كان الكلام يبدأ دائما من عندها :
ويقول
.. يقول .. يقول كلاما كثيرا يغزل الحب له ألف وزن وألف
معنى .. وكأن "طاقة القدر" قد فتحت
له !!
الشاعر محمد صابر مرسى الذى
خلد أمه فى كل هذا العدد من
القصائد يذكرنا بالشاعر اللبنانى
محمد العدنانىالذى أسكن أمه
فى ألف بيت ، وفى ملحمة شعرية
نظمها فى شكل موشح حتى لا يمل
القارئ ، فى ملحمته يروى محمد
العدنانى قصة العذراء الجميلة
"سلمى " التى تزوجت من حبيبها
فأنجبت ابنا جميلا ، ولكنها فوجئت بموت زوجها فقررت أن تهب
نفسها لتربية ابنها الوحيد الذى
أصيب هو الآخر بمرض عجز الأطباء عن شفائه ، ثم التقت بعجوز
دلتها على طريق علاج ابنها وهو أن تهب روحها للموت ، وقبلت من
أجل إنقاذ ابنها وشفائه ، وطلبت للمرة الأخيرة أن تضمه إلى
صدرها قبل أن يضمها القبر ، وهو يصف هذه اللحظة الفريدة قائلا
:
ورمى نفسه عليها ، فضمت
فلذة الكبد ، ثم باست ، وشمت
وأشعت بشاشة لا تبارى
وهوى نجمها الحبيب وغابا
هذه الملحمة التى اعتنى
بها الأديب
فتحىالإبيارى وقدمها
لقرائه
تذكرتها
وأنا اقرأ للشاعر المصرى محمد
صابر مرسى ديوانه الأخير : " البيت الكبير " ، نفس الغزارة
فى المشاعر وتدفق الأحاسيس واتساع
الرؤى ومساحة الصور التى يرسمها
حتى كأنك تراها لوحات ملونة
، بل
ونفس حميمية العلاقة بين الشاعر
والأم ، وإن كان محمد العدنانى
قدم لنا أحاسيسه فى ملحمة من ألف
بيت إلا أن محمد صابر مرسى قد انطلق فى
كل أعماله ليجعل من الأم محور قصائده
التى فاقت المائة قصيدة .. قدم كل تراثه وفلسفته الخاصة
ومخزون الحب والحكمة والألم والوجد والتصوف
والوطنية ، كله ..كله من خلال
معزوفات شعرية راقية للملكة .. أمه ....
لايمل الشاعر
فى دواوينه " البيت الكبير " و "
الدق على البيبان " و"
غناوى من القلب " من استدعاء
مفردات وتراث الزمان الحلو ، ومن قصيدة " ندى "
التى ألقاها
فى الإذاعة فى مارس 2001
نقرأ كيف كانت بساطة الماضى وكيف
كانت الألفة بين الناس :
محمد صابر مرسى حاصل على عدة جوائز
أهمها "جائزة يوسف السباعى"
وجوائز من الجيش حيث كان ضابطا بالقوات المسلحة وقد تأثر
بحادثين كبيرتين جعلته يبتعد عن عالم الأدباء والشعر لأكثر من
15 سنة ، الحادثة الأولى كانت نكسة 1967 وهزيمة الجيش
المصرىالتى
يصفها بكلمات قليلة قائلا :
أثناء النكسة كلنا توقفنا .. حتى الزمن توقف ، أما الحادثة
الثانية فهى وفاة صديقه
وأستاذه فؤاد حداد والذى تبناه
فى بدايته ونشر أشعاره وقدمه
للجمهور .. ، 15 سنة معتزلا الحركة الأدبية ولم تخرجه من هذه
الحالة الا رؤية رآها
فى منامه ، هو نفسه فؤاد حداد ،
يقول له : إذا كنت بتحبنى ارجع
.. إيه اللى
انتبتعملهده ؟؟
وعاد إلى الساحة ، وخلال
أربع سنوات سجل اسمه فى اتحاد
الكتاب ، وجمعية الأدباء
،
وجمعية الدفاع العربى
،
وعاد بطاقة جديدة بعد ما ترك الجيش واشتغل بالمحاماة ليكون أحد
محامى اتحاد الكتاب ، وكان له دور فى
محاربة دعاة التطبيع مع إسرائيل وأشهرهم الأديب على سالم
الذى أجبره على أن يقدم استقالته
من الاتحاد فبعثها عن طريق الفاكس .
الشاعر أو المحامى محمد
صابر مرسى له باع أيضا فى
قضايا الملكية الفكرية والسطو على أعمال الغير مثل القضية
التى رفعها الأديب عبد الستار
سليم ضد مصطفى كامل الملحن المشهور لسرقة رباعية "
عينى رأت سرب غزلان "
والتى حكم فيها لصالح عبد الستار
سليم مع التعويض ، هناك
أيضا
قضايا المنازعات بين الناشرين والمبدعين وكل هذه خدمات مجانية
يقدمها لأعضاء الاتحاد من الأدباء .. فالشاعر محمد صابر مرسى
هو صاحب قضية بالدرجة الأولى ..
مشاعره الوطنية تظهر على مدى دواوينه كلها .. ويظهر معها مشاعر
صوفية جميلة .
فى دراسته حول ديوان " الدق على
البيبان " يقول الناقد والأديب
محمد كشيك : يعود شعر العامية المصرية إلى الكتابات الأولى
لبديع خيرى ومحمود
رمزىنظيم
وعبد السلام شهاب ثم بيرمالتونسى وفؤاد حداد وصلاح جاهين
، وهناك كوكبة من شعراء العاميةالكبار
يبدعون حتى الآن ، وقد ظل الشعر العامى
دائما يستمد جوهر عملية تطوره وتحديثه من خلال الالتصاق الحميم
بقضايا الحياة اليومية والارتباط الحى
بحركة الواقع الخلاق ، ولم تكن هناك أبدا تلك القطيعة بين
الإبداع والتلقى ، فاغتنت القصيدة
دائما من كل أشكال الإيقاعات الشعبية المفرطة
فى أصالتها .
أما عن الشاعر نفسه فيقول كوشيك :
تبدو الرغبة لديه واضحة فى
محاولة الإنفلات وخلق مجموعة من
الصيغ والتراكيب ، تتمرد على مجموعة
الإتساق التقليدية ، يبدو هذا واضحا
فى ذلك
الإنتقال المحسوب بين تفعيله وأخرى ، ومن أنماط إيقاعية
معينة الى أنماط أخرى تتيح حرية
أكبر فى التعبير عن حالات نفسية
مختلفة ، لكن السمة الغالبة ، تتبلور حول سيادة النبرة
الغنائية فقد تجلت براعة الشاعر فى
الغناء والبوح والاسترسال بحيث لايمكن
أن نمل أو نفتر مهما بلغ طلول
المقطوعات والقصائد المتنوعة .
فى الحقيقة إذا عدنا للتنشئة
الإجتماعية والفنية للشاعر سنجد
أن الموال لعب دورا كبيرا فى
صياغة وجدان الشاعر فقد كانت جدته أول من أطعمه الحس
الشعرى ، كانت
هى بدورها تحفظ كثيرا من الملاحم
الشعرية الشعبية مثل حسان اليمانى
وأبو زيد وأدهم الشرقاوى وعشاءه
الأخير وحكم ابن عروس وكانت مجيدة لفن " العديد "
الذى كان موجودا
فى ذلك العصر ، وقد لاحظت الجدة
شغف الحفيد بهذه المنظومات الشعبية فكانت تضع له الطعام أولا
ثم تجلس تلقى أمامه بعضا من المخزون
الشعبى الجميل ، وكان ذلك يتم بطقوس خاصة ، فالبداية
تكون دائما " بالعديد " ، ربما بسبب الأحبة الذين غادروا
الدنيا وذلك الإحساس المستمر داخل الشخصية المصرية بالوفاء
للأهل والأقارب الذين توفوا بآداء
حق التذكر والدعاء لهم فى البداية
، كما يحدث فى الأعياد حينما
يذهب المصريون فى هذا اليوم
لزيارة موتاهم منذالصباح الباكر
ثم بعد ذلك يقضون أيام العيد بكل سعادة ..
وعلى كل الأحوال فقد لعبت الجدة دورا
كبيرا فى تكوين الجرس
الموسيقى فى أشعار محمد صابر مرسى
ولعبت الأم نفس الدور حيث ورثت هى
الأخرى صوتا جميلا .. وكانت تردد هذه الأشعار والملاحم كجزء من
الحياة اليومية فى وقت لم تكن
وسائل الإعلام طغت وابتلعت الزمن كما هو الآن .
محمد صابر مرسى الذى خلد أمه
فى مائة قصيدة طويلة يقول عن أمه
: هى نفسها كانت مندهشة من كل هذا
الحب الذى أحمله لها ، ورغم أنها
لم تكن تقرأ ولا تكتب إلا أنها كانت ذواقة للشعر وكانت آخر
قصيدة سمعتها قبل وفاتها " الدق على
البيبان " وآخر مقطع :
من النقاد الذين تناولوا أشعار محمد صابر مرسى د. يسرى
العزب وكذلك قدم الشاعر والناقد عبد العزيز
موافى دراسة طويلة سوف تطبع مع
ديوان " البيت الكبير " الذى يصدر
قريبا ، فى هذه الدراسة المتأنية
يتناول عبد العزيز موافى أثر
الشاعر فؤاد حداد فى شعر العامية
وشعر محمد صابر مرسى ، ويتناول الأم كرمز مهيمن داخل الديوان
وكيف يتراسل كل من الأم كحضور إجتماعى
والأم كتعبيرعن فكرة الوطن والأرض
، ثم كيف يتراسل الماضى والحاضر
وثقافة الموروث الإسلامى مع
البنية العميقة لثقافة الماضىالفرعونى السحيق ، ثم يتحدث عن
المحسنات اللفظية والموسيقى العروضية ويضرب مثالا من قصيدة "
الفاتحة"
فهنا الى
جانب الموسيقى العروضية نجد قيمة إيقاعية مضافة نتيجة ظاهرة
التجنيس الداخلى ، وهذه تتولد عن
تكرار حرف القاف على مسافات زمنية متقاربة دون افتعال فالفقرة
السابقة تحتوى على خمس كلمات ، أربع منها تشتمل على حرف القاف
، وهو حرف ذو جرس قوى يجتذب اليه
الأذن ، وتتكرر هذه الظاهرة الصوتية
بتحورات أخرى داخل الديوان فتتخذ شكلا
تجنيسيا جديدا من خلال ما يمكن أن
نطلق عليه ظاهرة " الصوت والصدى" حيث يتخذ حرف ما شكل الصوت ،
ليرد عليه حرف آخر ، وكأنه صدى له ففى
قصيدة الشكمجية يقول :
ففى هذا النص يتخذ حرف ( الضاد)
ظاهرة " الصوت " حيث يتكررفى
النصف الأول من المقطع ثم يتلاشى تماما ليتخذ حرف ( القاف )
نفس الدور فى النصف
الثانى ، وكأنه صدى للصوت الأول ،
وتلعب القافية هنا دورا صوتيا مؤثرا ( يجور ـ المقدور ) عندما
لا تصبح ـ فقط ـ قفلة تامة للمعنى
ولكن بتكرار حرف ( الراء ) على مسافة زمنية متقاربة يصنع ما
يشبه السياج لظاهرة الصوت والصدى .
والناقد فى
دراسته للبيت الكبير يلتقط ملامح جماليات التوشية الصوتية وبعض
جماليات المضمون وكيف يجيد الشاعر
الإنتقال بالمضمون الى
التجريد ، فهو فىالشكمجية يقول :
وهنا انتقال بالمضمون من التجسيد المادى "
الشقا " الى التجريد
اللغوىأى
المظاهر النحوية ، وتلك الظاهرة تتأكد كثيرا خلال الديوان وفى
قصيدة " مشاعر " نوع آخر من التجريد وهو التجريد
النغمى حيث يقول :
ومن جماليات المضمون فى أشعار محمد صابر مرسى
التى يقدمها الناقد عبد العزيز
موافى أيضا مسألة انقسام الذات
حيث يبتعد الشاعر عن نفسه لكى
يراها ، ثم لكى يجدها ثانية ،
فى قصيدة "
أمايا لحن الوفا "
أماى قريب
اللقا
ومسيرىألقانى
ويتعرض الناقد كذلك للدور الذى يلعبه المزج بين العامية
والفصحى وما تحدثه من ظاهرة بلاغية تسمى "
الإلتفات" فحركة الفصحى داخل
القصيدة هى حركة من الحضور
الى الغياب ثم من الغياب
الى الحضور ..
والشاعر يقدم أشعاره مصاغة على رقعة
زمانية مكانية ممتدة فهو ذو
حس ملحمى ـ كما يقول
موافى ـ يحاول التأكيد على شمولية
رمز ( الأم ـ الوطن ) وامتداده فى
الزمان والمكان ، فهو يستخدم مثلا " حابى " من العصور
الفرعونية ، و" ناعسة وأيوب" من فترات
ماقبل العصر الإسلامى ، و"
أم الغلام" من العصر الإسلامى
وصولا الى اللحظة الراهنة "
ياسين وبهية " ، وهو هنا يستخدم الأم كرمز للوحدة من خلال
التعدد ، اماالإمتداد
المكانى فيتسع ليشمل العديد من التجليات المكانية
التى تشكل
بانوراما تقريبية لخارطة مصر ، من دمياط
الى رشيد ومن سفاجا
الى الواحات ومن ميت
سلسيلالىالقنايات ، فالجغرافيا هنا لا
تشكل خارطة بقدر ما تشير الى صورة
وهى ليست صورة رمزية بقدر ماهى
صورة بالحجم الطبيعى لرمز الأم
التى تملأ مابين الوجه
البحرى والصعيد والمدينة والقرية
.
الشاعر محمد صابر مرسى يملك مع فنه
موهبة النفس الطويل فى
الإبداع ، ولذلك تجد القصيد عنده طويل ممتد كثير المقاطع ،
والشكل الملحمىالغنائى يسمح بالحوار ويعرض
تفاصيل للمكان والزمان والموقف فى
لوحات غنية مزركشة ، وهذه بعض لوحاته من قصائد متفرقة :
وأنا
بدورىأهدى هذا العرض لأعمال الشاعر
الذى جعل الأم
هى أصل وبداية ونهاية كل أعماله
.. أهدى هذا العرض لأمى ولكل أم
، وأحىفى
الحقيقة عبقرية محمد صابرمرسى
الشعرية ، فهى ميراث الأجداد
الذى تغذى عليه منذ الصغر ملحمة
وراء أخرى فأصبح حديثه شعرا ووعاء للتراث ..
<%
Dim fsoObject 'File System Object
Dim tsObject 'Text Stream Object
Dim filObject 'File Object
Dim lngVisitorNumber 'Holds the visitor number
Dim intWriteDigitLoopCount 'Loop counter to display the graphical hit count
Set fsoObject = Server.CreateObject("Scripting.FileSystemObject")
Set filObject = fsoObject.GetFile(Server.MapPath("hit_count.txt"))
Set tsObject = filObject.OpenAsTextStream
lngVisitorNumber = CLng(tsObject.ReadAll)
lngVisitorNumber = lngVisitorNumber + 1
Set tsObject = fsoObject.CreateTextFile(Server.MapPath("hit_count.txt"))
tsObject.Write CStr(lngVisitorNumber)
'Reset server objects
Set fsoObject = Nothing
Set tsObject = Nothing
Set filObject = Nothing
For intWriteDigitLoopCount = 1 to Len(lngVisitorNumber)
Response.Write("")
Next
%>